الشيخ محمد رشيد رضا

250

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيها المبذرين للمال « إخوان الشياطين » لأنهم يفسدون نظام المعيشة باسرافهم ، ويكفرون النعمة بعدم حفظها ووضعها في مواضعها بالاعتدال ، ولذلك قال عقبه ( وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ) ثم قال ( 29 وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) فعلل الاسراف في الانفاق بأن عاقبة فاعله أن يكون ملوما من الناس ومحسورا في نفسه ، والمحسور من حسر عنه ستره فانكشف منه المغطى ويطلق على من انحسرت قوته وانكشفت عن عجزه ، والمحسور المغموم أيضا . وكل هذه المعاني تصح في وصف المسرف في النفقة يوقعه إسرافه في العدم والفقر الخ وحسير البصر كليله وقصيره ويكثر في القرآن ذكر الفقه وهو الفهم الدقيق للحقائق الذي يكون به العالم حكيما ( 4 ) الاسلام دين الحجة والبرهان قال تعالى ( 4 : 73 يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ) وقال ( 23 : 117 وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ) قيد الوعيد على الشرك بكونه لا برهان لصاحبه يحتج به عند ربه مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك تعظيما لشأن البرهان ، وذلك أنه تعالى يبعث الأمم مع رسلهم وورثتهم الذين يشهدون عليهم ويطالبهم بحضرتهم بالبرهان على ما خالفوهم فيه كما قال ( 28 : 75 وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ ، فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) وأقام البرهان العقلي على بطلان الشرك بقوله بعد ذكر السماوات والأرض من سورة الأنبياء ( 21 : 22 لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا . . ) ثم قفى عليه بمطالبة المشركين بالبرهان على ما اتخذوه من الآلهة من دونه مطالبة تعجيز فقال ( 24 أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ) الآية ، ومثله في سورة النمل ( 27 : 64 أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ؟ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ؟ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) وقال في سياق محاجة إبراهيم لقومه وإقامة البراهين العلمية لهم على بطلان